أحمد بن محمد مسكويه الرازي
178
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
6 - شروط تحصيل السعادة وليس تحصل هذه المراتب التي يترقى فيها صاحب السعادة التامة الا بعد ان يعلم أجزاء الحكمة كلها علما صحيحا ، ويستوفيها أولا أولا كما رتبناها في كتابنا المسمى « بترتيب السعادات » . ومن ظن من الناس انه يصل إليها بغير تلك الطريقة وعلى غير ذلك المنهج ، فقد ظن باطلا وبعد عن الحق بعدا كثيرا . وليتذكر في هذا الموضع الخطأ العظيم الذي وقع فيه قوم ظنوا انهم يدركون الفضيلة لتعطيل القوة العاملة واهمالها ، وبترك النظر الخاص بالعقل واكتفائهم بأعمال ليست مدنيّة ، ولا بحسب ما يقسطه التمييز والعقل . « 1 » وقد سماهم قوم « العاملة » « والناجية » ، ولذلك رتبنا هذا الكتاب عقب ذلك الكتاب ، ليلحظ منهما السعادة الأخيرة المطلوبة بالحكمة البالغة ، وتتهذب لها النفس وتتهيأ لقبولها غسلا وتنقية من الأمور الطبيعية وشهوات الأبدان ، ولذلك سميته أيضا بكتاب « طهارة الاعراق » . « 2 » وقد قال ارسطوطاليس في كتابه المسمى « بالأخلاق » : [ ان هذا الكتاب لا ينتفع به الأحداث كثير منفعة ولا من هو في طبيعة الأحداث ] . قال : « ولست اعني الحدث ها هنا حدث السن ، لأن الزمان لا تأثير له في هذا المعنى ، وإنما أعني السيرة التي يقصدها أهل الشهوات واللذات الحسية » . وأما أنا فأقول : اني ما ذكرت هذه المرتبة الأخيرة من السعادة طمعا في وصول
--> ( 1 ) . يقصد الدراويش ، الذين يؤمنون بتزكية النفس دون التدخل العقلي . ( 2 ) . يقصد الكتاب نفسه « تهذيب الاخلاق وتطهير الاعراق » ، تطهير أفضل من كلمة طهارة ، لهذا الكتاب ، لأن الطهارة من الشيء الطاهر ، أما التطهير ، فهو يطهّر ويهذّب النفس .